
لم يكن تكليف المختار ولد اجاي بتشكيل حكومة جديدة مجرد إجراء دستوري يعقب استقالة الحكومة؛ فقد حمل، في توقيته ودلالته، معنى سياسياً يتجاوز تبديل الأسماء. إنه تجديد للثقة في الرجل، ومنحه فرصة أخرى لقيادة العمل التنفيذي، في مرحلة تتزاحم فيها الملفات العالقة وتتصاعد فيها أسئلة الخلافة والتنافس داخل دوائر الحكم.
غير أن الحكومة المرتقبة لن تبدأ من صفحة بيضاء. فثمة أربعة ملفات يُرجّح أن تلقي بظلالها على تشكيلها وأدائها:
ترتيبات ما بعد 2029، وملف المدونين، وصراع الأجنحة، والتحقيق في حريق المنشآت التابعة لشركة «صوملك». وهي ملفات متداخلة، يلتقي بعضها عند سؤال واحد: هل تستطيع الحكومة أن تعمل بإيقاع منسجم، فيما تتنازع محيطها حسابات السياسة ومخاوف المستقبل؟
2029… سؤال الخلافة قبل أوانها
منذ حديث الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال زيارته للحوضين، عن الطامحين إلى الترشح أو الساعين إلى ترشيح غيرهم لانتخابات 2029، دخلت مسألة الخلافة إلى صلب النقاش السياسي. وقد شدد الرئيس، آنذاك، على أن من يسعى إلى ذلك، أو يسعى له آخرون، قد يضر بنفسه أكثر مما ينفعها.
ومنذ تلك التصريحات، لم يشهد المشهد تعديلاً حكومياً واسعاً، وظلت التغييرات محدودة. لذلك قد يُنظر إلى الحكومة الجديدة بوصفها أول اختبار جدي لرسالة الرئيس: هل ستطال التغييرات شخصيات يُعتقد أنها تتحرك مبكراً نحو ما بعد 2029، أو تُقدَّم في الإعلام والرأي العام باعتبارها خلفاء محتملين؟
والسؤال الأعمق هو ما إذا كان الرئيس يتجه إلى فتح الطريق أمام مأمورية ثالثة، أم إلى إعداد انتقال سياسي آمن عبر رجل ثقة يتولى المرحلة التالية. لا توجد إجابة محسومة عن هذا السؤال، لكن مجرد حضوره في حسابات النخبة كافٍ لأن يجعل التعيينات المقبلة محمّلة بدلالات تتجاوز السيرة المهنية للمرشحين ومواقعهم الحكومية.
ملف المدونين: ما الذي ستكشفه التحقيقات؟
يأتي ملف المدونين في قلب هذه الحسابات، بعد توقيف متهمين بالابتزاز ونشر الشائعات والتشهير والقذف. وقد طالت الحملات، بحسب ما تداوله النقاش العام، رئيس الدولة ومقربين منه، كما استهدفت شخصيات حكومية، وفي مقدمتها الوزير الأول المختار ولد اجاي.
لكن ما تزال أسئلة كثيرة بلا أجوبة معلنة: إلى أين وصلت التحقيقات؟ وهل كشفت عن صلات بين بعض الموقوفين ومسؤولين مدنيين أو عسكريين؟ وهل كانت حملات التشهير جزءاً من خلافات أوسع، أم أنها ارتبطت بمبادرات أفراد ودوافع منفصلة؟ هذه أسئلة تستدعي أجوبة موثقة، لا استنتاجات متعجلة؛ فالاتهام لا يثبت بمجرد تداوله، ولا تكفي شدة الحملة وحدها دليلاً على الجهة التي تقف خلفها.
ومع ذلك، فإن نتائج التحقيق ــ إن اتضحت للرأي العام ــ قد تكون لها آثار سياسية. فإذا ثبت تورط مسؤولين أو استخدام النفوذ لتوجيه حملات ضد خصوم داخل السلطة، فسيصبح من الصعب فصل المحاسبة عن إعادة ترتيب المواقع. أما قبل ظهور نتائج موثوقة، فينبغي أن تبقى هذه الاحتمالات في نطاق الأسئلة، لا الأحكام.
صراع الأجنحة: حكومة واحدة ومراكز قوى متعددة
يتصل ملف المدونين بملف ثالث هو صراع الأجنحة داخل دوائر الحكم. فهل كشفت التحقيقات، أو ستكشف، عن جانب من هذا الصراع لم يكن ظاهراً للرئيس؟ وهل جرى توظيف التسريبات أو الحملات الإعلامية لتصفية الحسابات بين أطراف متنافسة؟ ثم هل دفعت خصومات داخلية بعض الجهات إلى إرباك قرارات حكومية ذات مصلحة عامة؟
تُطرح في هذا السياق أسئلة عن حملات استهدفت إجراءات، مثل الضرائب على خدمات الهاتف أو التطبيقات البنكية، وعن احتمال أن تكون بعض هذه الحملات قد ارتبط بصراع النفوذ..
ما يمكن ملاحظته، في قراءة سياسية للمشهد، هو أن المختار ولد اجاي أصبح هدفاً متكرراً لحملات نقد وتشويه، فيما لم يكن اسمه، بحسب ما طُرح في المجال العام، ضمن أبرز الأسماء المتداولة لخلافة الرئيس بعد 2029. وقد يعزز ذلك الانطباع بأن استهدافه لا يرتبط وحده بحسابات الخلافة، بل ربما يتصل أيضاً بموقعه في إدارة الحكومة وبالتنافس بين مراكز النفوذ.
ومن هنا، يمكن فهم قرار تكليفه مجدداً على أنه محاولة لمنحه مساحة أوسع في إدارة السلطة التنفيذية، وتشكيل فريق أكثر انسجاماً معه. فإذا أراد الرئيس أن تتحسن وتيرة العمل الحكومي، فقد يكون من مقتضيات ذلك تقليص الاحتكاك بين أعضاء الحكومة، وإبعاد العوامل التي تعطل التنسيق أو تحول دون تنفيذ القرارات. لكن نجاح هذه المقاربة لا يتوقف على تغيير الوجوه وحده؛ بل يتطلب قواعد واضحة للمسؤولية، ومؤسسات قادرة على ضبط التنافس داخل السلطة.
حريق صوملك ومصير الأسماء البارزة
أما الملف الرابع، فهو التحقيق في احتراق منشآت وكابلات تابعة لشركة «صوملك». وقد ينعكس هذا الملف على مصير وزير النفط والطاقة محمد ولد خالد، الذي أراه من أكثر الوزراء عرضة لتبعاته السياسية. غير أن المسؤولية النهائية تظل رهناً بما خلصت إليه التحقيقات، وبما أعلن من نتائج وأدلة.
وفي حال طالت التغييرات وجوهاً بارزة، مثل الأمين العام لرئاسة الجمهورية مولاي ولد محمد الأغظف، ووزير الدفاع حننه ولد سيدي، ووزير الداخلية محمد أحمد ولد الحويرثي، فسيبرز سؤال آخر: إلى أين سيذهب هؤلاء، ومن سيخلفهم؟ وهل ستؤدي مغادرتهم إلى إعادة ترتيب حقيقية، أم سيُعوَّض كل منهم بمقربين منه، فتتبدل الأسماء وتبقى شبكات النفوذ كما هي؟
إن إعادة توزيع المواقع على أساس المحاصصة بين الأجنحة قد تعيد إنتاج المشهد ذاته؛ حكومة تتعدد مراكز القرار داخلها، ويتعثر أداؤها بفعل التنافس بين مكوناتها. أما إذا كان المقصود من التعديل بناء فريق متجانس، فالمعيار ينبغي أن يكون القدرة على العمل المشترك وتحمل المسؤولية، لا مجرد الانتماء إلى هذا الطرف أو ذاك.
محمد سالم ولد مرزوگ… صعوبة تعويض الثقة
ويبقى موقع وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوگ سؤالاً خاصاً. فهو، في تقديري، يُحسب على جناح ولد اجاي، لكن تعويضه لا يبدو أمراً يسيراً. قد يعثر الرئيس على وزير مثله يملك خبرة سياسية، أو ثقافة واسعة، أو حضوراً شخصياً لافتاً؛ غير أن اجتماع هذه السمات في شخصية واحدة، إلى جانب تجربة ولد مرزوگ في الدبلوماسية و في تولي منصب دولي، يجعل استبداله أكثر تعقيداً..خصوصاً بالنظر إلى تعذر أن يحرز بديله المحتمل ما يتوفر عليه هو من الوفاء للرئيس غزواني، الذي تغذيه عدة روافد خاصة..
ولد مرزوگ أستاذ جامعي ومن أبناء حركة الكادحين اليسارية، وقد راكم تجربة طويلة في العمل السياسي والدبلوماسي. كما ينحدر من شريحة الحراطين، ويتمتع بثقة في أوساطها، وهو ما يمنحه قدرة على أداء دور يتجاوز موقعه الوزاري. لكن العنصر الأهم، في حسابات السلطة، قد يكون ما بينه وبين الرئيس من روابط ثقة؛ فالثقة السياسية لا تُستنسخ بقرار تعيين، حتى عندما تتوافر الكفاءة والخبرة.
اختبار الحكومة الجديدة
بهذا المعنى، تدخل حكومة المختار ولد اجاي الجديدة اختباراً مزدوجاً: اختبار التشكيل، واختبار القدرة على تحويل تجديد الثقة إلى أداء ملموس. فالملفات الأربعة لا تتعلق بأسماء الوزراء وحدها؛ إنها تمس شكل السلطة في السنوات المقبلة، وحدود التنافس داخلها، ومصداقية التحقيقات، وقدرة المؤسسات على الفصل بين المحاسبة وتصفية الحسابات.
وقد تنجح التشكيلة الجديدة في فرض إيقاع أكثر انسجاماً، إذا قامت على وضوح المسؤوليات وتكافؤ الفرص والمساءلة. أما إذا اكتفت بإعادة توزيع المواقع بين الأجنحة، فستظل الحكومة أسيرة التوازنات التي يُفترض أنها جاءت لتتجاوزها. والرهان، في النهاية، ليس على من يغادر ومن يبقى فحسب، بل على ما إذا كان تجديد الثقة سيمنح الدولة قدرة أكبر على العمل، أم سيمنح الصراع داخلها جولة جديدة.
